الشيخ محمد عبده

43

رسالة التوحيد

النظر في الخلق يهدى بالضرورة إلى المنافع الدنيوية ، ويضيء للنفس طريقها إلى معرفة من هذه آثاره وعليها تجلت أنواره ، وإلى اتصافه بما لو لاه لما صدرت عنه هذه الآثار على ما هي عليه من النظام ، وتخالف الأنظار في الكون إنما هو من تصارع الحق والباطل ، ولا بدّ أن يظفر الحق ويعلو على الباطل بتعاون الأفكار أو صولة القوى منها على الضعيف . وأما الفكر في ذات الخالق ، فهو طلب للاكتناه من جهة ، وهو ممتنع على العقل البشرى ، لما علمت من انقطاع النسبة بين الوجودين ولاستحالة التركيب في ذاته ، وتطاول إلى ما لا تبلغه القوة البشرية من جهة أخرى ، فهو عبث ومهلكة : عبث ؛ لأنه سعى إلى ما لا يدرك ، ومهلكة ؛ لأنه يؤدى إلى الخبط في الاعتقاد ؛ لأنه تحديد لما لا يجوز تحديده ، وحصر لما لا يصح حصره . لا ريب أن هذا الحديث وما أتينا عليه من البيان كما يأتي في الذات من حيث هي ، يأتي فيها مع صفاتها ، فالنهي واستحالة الوصول إلى الاكتناه شاملان لها . فيكفينا من العلم بها أن نعلم أنه متصف بها ، وأما ما وراء ذلك فهو مما يستأثر هو بعلمه ، ولا يمكن لعقولنا أن تصل إليه ، ولهذا لم يأت الكتاب العزيز وما سبقه من الكتب إلا بتوجيه النظر إلى المصنوع ؛ لينفذ منه إلى معرفة وجود الصانع وصفاته الكمالية . وأما كيفية الاتصاف فليس من شأننا أن نبحث فيها . فالذي يوجبه علينا الإيمان ، هو أن نعلم أنه موجود لا يشبه الكائنات ، أزلي ، أبدى ، حي ، عالم ، مريد ، قادر ، متفرد في وجوب وجوده ، وفي كمال صفاته ، وفي صنع خلقه ، وأنه متكلم ، سميع ، بصير ، وما يتبع ذلك من الصفات التي جاء الشرع بإطلاق أسمائها عليه . أما كون الصفات زائدة على الذات ، وكون الكلام صفة غير ما اشتمل عليه العلم من معاني الكتب السماوية ، وكون السمع والبصر غير العلم بالمسموعات والمبصرات ، ونحو ذلك من الشؤون التي اختلف فيها النظار وتفرقت فيها المذاهب ، فمما لا يجوز الخوض فيه ، إذ لا يمكن لعقول البشر أن تصل إليه ، والاستدلال على شيء منه بالألفاظ الواردة ضعف في العقل ، وتغرير بالشرع ؛ لأن